حكايات رجل يعيش في بغداد
ما يحدث في بغداد لا يحدث كثيرا في أماكن أخرى.... سأروي لكم بعض ما حدث ويحدث ولكني لا أعدكم أن كل ما يحدث فيها جميل!!
.
.

بغداد تغسل وجهها

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كانت كل البنيات والأشجار تكتسي بطبقة من الغبار نتيجة للموجات المتلاحقة من العواصف الترابية التي أحالت كل شيء إلى لون كالح , وحتى هبوب النسيم كان أمرا غير مرحبا به , فقد كان يحرك هذه الطبقات المزعجة من الغبار الدقيق , و من المزعج أكثر هو تلك المدة التي لم تسقط فيها أمطار حقيقة على بغداد, فقد كان كل ما يسقط من السماء هو محاولات خجولة للتشبه بالمطر .
لم يكن قد مر زمن طويل منذ استيقظت في صبيحة ذلك اليوم , حين خرجت إلى باحة المنزل كي أنظف المدفئة النفطية استعدادا للشتاء , وضعت كل أدواتي على صحيفة بجانبي وأنا أتأمل السماء المسودة والأشعة المحتجبة للشمس وهي تحاول جاهدة أن تصل إلى الأرض . كانت أصوات الرعد تشبه الموسيقى فقد كانت تنذرنا بهطول المطر ولعل زمجرته التي تزعج الكثيرين صارت نوعا من البشائر , بقيت مستمرا في تنظيف المدفئة و الكثير من التفاؤل والفرح يملئاني(ربما لأن جذوري الإنسانية التي ترتبط بالإنسان الأول حين كان يعتمد على المطر في الزراعة هي من حرك هذا الفرح الطفو لي !؟) كنت مستمرا في تنظيف المدفئة وأنا ارفع بصري كل دقيقة إلى تلك الغيوم القاتمة وكأني أريد أن اطمئن بأن تلك الغيوم لم تسحبها الريح بعيدا كي تعيد لنا الشمس وتبقي علينا الغبار, لكن في داخلي كنت اشعر بذلك الطفل الذي يريد أن يلعب تحت المطر- كما كنت افعل – كان فرحي غير مبررا وكنت ابحث عن سبب ما لفرحي بتلك الغيوم ! .بعض الأحيان يشعر الإنسان بالضيق ولكنه ينسى السبب الذي يزرع فيه هذه الشعور ويبقى يبحث وهو يقول :يا ترى لما أنا متضايق؟ ويبحث حتى يعرف السبب ! وهذا ينطبق على الفرح أيضا , وأنا كنت فرحا من غير أن اعرف السبب ! شغلت نفسي بتلك المدفئة وقطة المنزل البيضاء تغفو بكسل عند الباب وهي تفتح عينيها بتكاسل وهي تراقب عصفورا حط على غصن شجرة الرمان وطار بعجلة .قفزت القطة بصورة مفاجأة فاجأتني معها وهي تمسح وجهها من قطرة مطر كبيرة سقطت على وجهها مطلقتاً أول الغيث كي يبدأ سقوط المطر مدراراً , في تلك اللحظة بالذات تأجج فيّ ذلك الفرح الغامض فتركت كل شيء في مكانه ووقفت تحت المطر الذي كان ينزل ماءه مثل ماء الصنبور والذي غسل وجهي بقطرات تنزل وكأن كل قطرة فيها فم صغير يقبلني حتى أمتلئ وجهي بعشرات القبل . كنت اشعر بأن باحة الدار صغيرة على فرحي فدخلت ولبست معطفاً مطريا قديما يعود لأخي الذي هاجر منذ زمن طويل ولم يعد , كانت اشعر بحرارة جسمه وأنا البسه , فتحت الباب واندفعت إلى الشارع .
كانت قد تكونت على جانب الشارع برك ماء صغيرة تعكس قوة المطر حيث امتلأت بالفقاعات, كان الشارع مزدحما بالسيارات التي تغطي وجوه سائقيها ابتسامة تعكس فرحا يشبه الفرح الذي يعتريني ! , بقيت امشي تحت المطر ووقفت مع مجموعة الناس وهي تراقب رفع الكتل الإسمنتية من مداخل الأزقة بعد أن انتفت الحاجة إليها , فقد صارت بغداد أجمل وأكثر أمانا, تركتهم ومشيت وكلمة مطر
مطر ...مطر يتردد صداها في اذني.
أنه المطر مرة أخرى , لم تمطر بهذا الشكل منذ أعوام , رائحة الأرض المبللة بالمطر تملئ الجو وأنا امشي بفرح تحت قطراته وصارت رجلي تغطس في برك المياه التي تكونت سريعا , ياه لم أجرب هذا الشعور منذ زمن بعيد! ....كان الجميع يبتسمون , فرحون , روح الطفولة تقفز فيهم مرة أخرى ...ويقفز مرة أخرى ذلك السؤال : ما سر هذا الفرح الذي يغطي روحي و أرواح كل أولئك الناس؟
جاءني الجواب سريعا وعرفت لماذا كل هذا الفرح الذي تجاوز الأنانية والفردية ! عرفت الإجابة بعد أن قرأت على احد الجدران عبارة مكتوبة بخط سيئ و بلون ابيض , تلك العبارة عرفتني بالفرح المنتشر كالريح والذي اجتاح كل من بلله المطر وكل من سمع وقع خطوات المطر وكل من شم رائحة الأرض بعد المطر , كانت تعلك العبارة تقول :( بغداد حبيبتي اغسلي وجهك !). لقد اشتعلنا بنار النشوة والفرح لسبب كان غائبا عن وعينا ولكنه حاضر في أعماقنا , لقد كنا فرحين من اجل بغداد التي غسلت غبارها وستغسل حزنها وستعود جميلة كما كانت أمس وكما ستكون غدا. بعدها عدت مبللا إلى المنزل وأنا اردد بلا كلل : بغداد حبيبتنا اغسلي وجهك فها هو المطر.

(25) تعليقات


<<Home


.
.